تمر اليوم علينا ذكرى ولادة طاغية دكتاتور حل كالليل المظلم الحالك على العراق فأوقف الحياة والتقدم لسنوات طويلة . ولا بد أن نتوقف لنستذكر بعض نتائج تجربتنا الماضية بكلمات سريعة من أجل منع تكرار ذلك في المستقبل.
إبتداءا لا بد من تأكيد أن حزب البعث بإعتباره حزبا فاشي التنظير والفلسفة كان قد ساهم بشكل أساسي منذ أيامه الأوائل لتحقيق الهدف الذي أنشأ من أجله في الأعداد لشخصية الدكتاتور الذي كان يتلذذ بسادية منقطعة النظير بآلام الآخرين وكان يمكن أن يكون هذا الدكتاتور المطلوب بإسم آخر فقد كان هناك ناظم كزار مثلا أو عزت الدوري أو غيرهما وهم عديدون نبتت جذورهم وأرتوت من نفس السم الفاشي المتجرد من الأحساس الأنساني.
ولا يفوتنا أن نذكر دور الغرب في المساعدة على تسليم البعث الحكم مرتين خلال فترة خمسة سنوات وحاجة الغرب إلى حكم يساعد على إستنفاذ خيرات المنطقة ويسهل له السيطرة عليها ضمانا لتدفق النفط وهو العنصر الذي أصبح مفتاح الدوافع لحركة العالم وهذا ما فعله إبن الغرب البار صدام حسين في تبرير دخول الأساطيل الغربية إلى الخليج العربي لحماية مصالحها بعد أن كان محرما عليها وفي تسهيل إستنفاذ كل الخزائن العربية والأيرانية من متراكمات إيرادات النفط وفي تسهيل مهمة تدجين هذه الشعوب لتسهيل السيطرة عليها و قيادتها من أجل تحقيق أهداف تطوير إقتصاديات الغرب بعيدا عن أي إحتمالات التصادم مع إرادة أي من شعوبها أو منع تدفق النفط منها. وكان من الضروري خلق الدكتاتور الذي يأمر فلا يناقشه أحد فيقول اليوم ما يرفضه غدا ويوافق بعد غد على ما سبق رفضه أمس بلا مساءلة ولا إنتقاد. ولم يكن الأختيار أسهل من تربية شخص درست طباعه وأخلاقه منذ كان صبيا يقتل القطط بشيها أو يقتل قريبه بسبب إختلاف في الرأي ولا يشعر بالقرابة أو العائلة أو المحبة تجاه أي كان فكان صدام الذي كانت مخابرات الغرب تحميه قبل رجال حمايته.
ومن طرف آخر فقد ساهم الشعب العراقي بمثقفيه ورجاله في خلق الدكتاتور الذي يمثل قائدا من نوع جديد لم تر الأعراب قبله شخصا يقتل بسهولة ويعدم بسهولة ويمنح ويمنع كما يريد. كانت دغدغته لمشاعر العديد بإعدام ما تم تسميتهم بالجواسيس اليهود ومعهم العشرات من غير اليهود من الذين شاركوا في إنقلاب 8 شباط الأسود لإخفاء حقيقة الدور الأمريكي في ذلك الأنقلاب وحملة التصفيات التي تلته إعداما وقتلا وتعذيبا. وكان أسلوب الحزب على يد منظريه من الأعراب والأجانب هو تربية جيل جديد لا يعرف غير القتل حلا لمشاكله مع الآخرين وإستمر بتربية الجيل الذي بعده بأعنف من ذلك فكان يطلب من الزملاء قتل زميلهم ومن الرفاق إعدام رفيقهم ومن أعضاء النقابة أو المجموعة إهانة صاحبهم. وأنتشرت موجة التصفيق بين الجميع وبدأ الحزب والدكتاتور بسياسة تقطيع جميع الروابط التي كانت بين أفراد المجتمع فلا أخ يأتمن أخيه ولا أب يأتمن إبنه أو زوجته ولا جار يقول لجاره . وعندما تتقطع أوصال المجتمع يكون من الصعب النضال ضد هذا العدو للحاجة إلى جسور الثقة قبل كل شيء وكانت هذه الجسور مفقودة ومقطعة. وإستكمل كل ذلك بحملات إعدام الشيوعيين والقوميين والأكراد والأحزاب الأسلامية من شيعة وسنة بالأضافة إلى إختراقها بما جعل عملها مكشوفا أو محفوفا بالمخاطر لسنوات طويلة لاحقة.
حزب فاشي وطاغية سادي وأموال بلا حساب والجرائم ترتكب ليس بحق العراقيين بل بحق العراق تسببت جميعها في تخلف العراق عن جيرانه وعن العالم وساعد في ذلك جيل تربى على الخنوع والغدر والقتل تلاه جيل آخر تربى على عبادة الشخصية والأيمان بالفرد على حساب كل شيء أعماه التعصب وعدم الأعتراف إلا بالقائد المفدى والقائد الضرورة يضاف إلى الأجيال المرعوبة التي سبقته والتي فقدت قدرتها على التحرك كما يفقد الفأر قدرته على التحرك أمام الأفعى خوفا فتأكله.
الخاسر الأول كان العراق كمجتمع وأرض و شعب فكان التخلف حادا في جميع جوانب الحياة الثقافية والأجتماعية والعلمية والأنسانية بكل أشكالها. العراقي تدهور دخله من مئات الدولارات شهريا إلى بعض السنتات شهريا و إنحدر الدينار إلى مستويات مجهرية و توقف العمران إلا لغايات مصلحة الدكتاتور والحزب و إنحدرت الخدمات إلى أدنى حدودها و فقد التعليم مصداقيته وزاد معدل المتسربين من المدارس إلى نسب خيالية وكان هدف الصبيان التطوع في الأجهزة البوليسية ليحمل السلاح وليكون أقوى في منافسة أصحابه أو لينفخ نفسه كالديك مستعدا للذبح في معارك الحزب والطاغية وتخلفت جميع معدلات ومؤشرات الحياة إلى درجة لا مثيل لها.
وتحول العراق من بلد كان يقدم المساعدات إلى الدول العربية كالجزائر والأمارات ومصر والأردن إلى بلد يستجدي الدواء فلا يجده والغذاء فلا يصله إلا أردأ الأنواع والعلم فلا يحصل عليه وإنتشر العراقيون في أرجاء الدنيا بحثا عن الحياة التي فقدوها وفقدوا الأمل في أن يبصروها يوما على أرضهم ذات العمق الضارب في التاريخ. وأصبح العراقيون مشردين في أصقاع الأرض.
وجرى ما جرى وتحسس الغرب الخوف من العفريت الذي خلقه فأصبح يحاول أن يكون ندا له بشخصيته منفردا رافضا إطاعة الأوامر ومستهترا بقواعد اللعبة فهاجم التحالف العراق وأعدم الدكتاتور وأنهى شكليا حزب البعث ولكن !!
هل يمكننا أن نحافظ على بلدنا وأن نمنع خلق دكتاتور جديد ؟
إن الانفتاح على العالم وزيادة تماس الناشئة العراقيين بأقرانهم خارج العراق في الدول المتقدمة يمكن أن يكون شرطا بالغ الأهمية في تعريف العراقيين على منجزات العالم وطبيعة الحياة المتمدنة في عالم يحترم حقوق الأنسان وفكره ورأيه وحريته ويشجع نمو الفكر الأنساني من أجل سعادة وحرية وإزدهار المجتمع والفرد وتنمو فيه العلوم والفنون والأفكار والصناعات والأنشطة الأنسانية ولا مجال فيه لأن يكون هناك قائد مفدى وأتباع منذورين للقتل من أجل القائد لأن القائد زائل والأتباع والشعوب باقية.
إننا بتربية الأجيال القادمة وتأهيل الأجيال الحالية التربية الصحيحة بإعطائهم جرعات من دواء الديمقراطية و تطعيمهم ضد الديكتاتورية وضد عبادة الفرد وإعادة تأهيلهم ليصبحوا أعضاء مفيدين في المجتمع وتوفير فرص العمل والتعلم والدراسة والحياة لهم وبتشجيعهم على مجابهة المستقبل أقوياء بالعلم والخبرة والشخصية القويمة وبتربيتهم بعيدا عن العنف ومفاهيم القتل وتربية السلاح سنكون قادرين على الأستعداد لمستقبل بلا طغاة .
إننا بالدفاع عن الديمقراطية الوليدة ورعايتها والمحافظة عليها من كل تجاوز وعدم السماح لأي كان أن يغمط حقوقنا وحقوق الأنسان فيها سنكون قادرين على الدخول إلى عالم الحرية والأزدهار ولنا أن نستغل متحدين متكاتفين كل الوسائل الديمقراطية من إعلام ونشر في سبيل فضح وإدانة وإيقاف الممارسات التي تتجاوز على ديمقراطيتنا الوليدة. إن الشمولية والديكتاتورية تأخذ كل السبل لكي تحتل مكانا لها في حياتنا اليوم وهي تشعر بنهايتها في القرن الحادي والعشرين – قرن الأنسان والحرية لذا فإن علينا تحسس بذراتها ومعالجتها بما تستحق بعد أن ذقنا ويلاتها وآلامها.
إن حريتي ليست في الدفاع عن ما أفكر فيه بل في الدفاع عن حقك في الأختلاف معي في الرأي.
عبدالعزيز الونداوي
أمين عام عـدل
إئتلاف عراق ديمقراطي ليبرالي
بغداد في 28 نيسان 2007